هشام جعيط

227

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

زياد « 1 » وبذلك فمن المفروض أنها استبعدت المحاكاة وأرادت القطيعة والانفصال ، مما أدى إلى إقامة قلعة عظيمة تمثلت في القصر وضخامته . وتبدو المفارقة في كون هذه السلطة المترفعة المتكبرة قد تسببت بمحاكاة معينة وشجعتها بشرط احترام ناموسها . فتكاثرت بذلك القصور في محيط الكوفة ( قصر مقاتل مثلا ) « 2 » ، كما تكاثرت دور الأشراف في قلب الكوفة . والمعتقد أن فن العمارة الذي ظهر داخل قصر زياد أثر على تصميم الدور ، لأن القصر باستثناء قاعات الاستقبال التي كانت تتوسطه والإيوانات والقباب والأبهاء ، التي تؤكد قوة الحكم بالذات ووظيفته ، كان يتركب مما أقيم بأجنحته من دور قسمت إلى حجرات « 3 » . ورأيي أن دور الكوفة اقتبست بناءها من دور القصر . البنايات الخاصة تضيّق على المركز ورد خبر جلي عند سيف بن عمر ضمن تاريخ الطبري ، مفاده كما نعلم أن المساحة المركزية التي حددها الخندق كان البناء فيها ممنوعا أثناء خلافة عمر « 4 » . فلم تتضمن إلا المسجد والقصر المحاطين بساحة واسعة - هي الرحبة - وموضع الأسواق وما يشبه الاصطبلات في الهواء الطلق - الآري - وكان هذا المجال شاسعا يغطي ما يناهز 23 هكتارا « 5 » لكن لم يلبث أن اكتسحته القطائع الخاصة والخطط الفردية . فمنذ متى حصل ذلك ؟ من عهد الخليفة عثمان « 6 » الذي أفاض في إقطاع بعض الصحابة القطائع العقارية وأيضا بعض رؤساء القبائل التقليديين ( طلحة والأشعث بن قيس وجرير بن عبد اللّه البجلي ، الخ . . . ) ، في قلب السواد أم منذ بداية ولاية زياد ؟ من المعروف أن الوليد بن عقبة والي الكوفة في خلافة عثمان ، كان يملك دارا تقع في وسط السوق « 7 » ، كانت بمثابة العلامة الأساسية في طوبوغرافيا الكوفة . وقد ذهب الأمر باليعقوبي إلى أن عزا لعمر توزيع الدور على أهم الصحابة « 8 » ، ولا يمكن قبول هذا القول على أنه ظاهرة عامة شاملة . على أنه

--> ( 1 ) الطبري ، ج 5 ، ص 222 - 223 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 281 ، بخصوص تكاثر القصور ، في إقليم الكوفة ، وراجع صالح العلي ، « منطقة الحيرة . . . » ، مقال مذكور ، ولا سيما الخارطة . ( 3 ) M . A . Mustafa , Art . cit . , p . 44 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 45 . ( 5 ) انظر ما سبق . ( 6 ) فتوح البلدان ، ص 273 ، يجزم البلاذري بأن عثمان هو أول من شرع في إعطاء القطائع العقارية الفردية . ( 7 ) ابن سعد ، الطبقات ، ص 21 ؛ اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 311 ؛ الطبري ، ج 4 ، ص 532 ، وج 6 ، ص 89 . ( 8 ) كتاب البلدان ، ص 310 .